ابن كثير

201

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قتادة في قوله تعالى : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً واللّه لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا ، ولكن اللّه تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء اللّه من ذلك ، وقول قتادة لطيف المعنى جدا ، وحاصله أنه يقول في معناه إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن ، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته ، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته . ثم قال جل وعلا مسليا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه وآمرا له بالصبر عليهم : وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ أي في شيع الأولين وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي يكذبونه ويسخرون به . وقوله تبارك وتعالى : فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً أي فأهلكنا المكذبين بالرسل ، وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد ، كقوله عز وجل : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً [ غافر : 82 ] والآيات في ذلك كثيرة جدا . وقوله جل جلاله : وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قال مجاهد : سنتهم . وقال قتادة : عقوبتهم . وقال غيرهما : عبرتهم ، أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم ، كقوله تعالى في آخر هذه السورة : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ [ الزخرف : 56 ] وكقوله جلت عظمته : سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ [ غافر : 85 ] وقال عز وجل : وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * [ الأحزاب : 56 ] . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 9 إلى 14 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 ) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 ) يقول تعالى : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين باللّه ، العابدين معه غيره مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو اللّه وحده لا شريك له ، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد ، ثم قال تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي فراشا قرارا ثابتة تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتنصرفون ، مع أنها مخلوقة على تيار الماء ، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي طرقا بين الجبال والأودية لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي في سيركم من بلد إلى بلد ، وقطر إلى قطر ، وإقليم إلى إقليم وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم .